جلال الدين الرومي
440
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
فنجعله طوق أسد ، حينا نجعله زينة للدنيا ، وأحيانا نجعل منه وسيلة للتقرب إلى الله تعالى ، هذا بالنسبة للإنسان العادي فما بالك الإنسان الذي هو محبوب لدينا والذي نحس بالحب نحوه ، نعم فإنه متصف بالرضا والتواضع ، ومن هنا فنحن نجعل منه ملكا ، ونجعل منه عاشقا لنا مدلها في حبنا طائراً في ملكنا ، وهو التراب ( الإنسان ) هو المخصوص بالعشق هو المخصوص بالجدل ، وهو المخصوص بالخلافة ، وهو الذي تواضع فرفع ، وهو وإن كان من التراب ظاهراً ، إلا أن باطنه ملئ بالنور ، ولا يزال طينه ونوره في حرب وفي قتال يظن جسده أنه هو ، فيقول باطنه ، حسبك وأنظر أمامك وخلفك إلى الأجساد التي ذهبت وإلى الأجساد التي تأتى ، كلاهما ينكر الآخر الظاهر ينكر الباطن والباطن ينكر الظاهر ، لكن بالرغم من هذا الظاهر العبوس ، هناك الباطن الملئ بالسرور والضحكات ، ونحن كاشفو الأسرار نستطيع أن نخرج ما يخبؤه هذا التراب ( الإنسان ) من معجزات : معجزات في الفنون والآداب والفكر ، معجزات في التفوق على متطلبات الجسد والسمو عنها . أتدري بماذا ؟ ؟ بأن يتعرض لقدر من الابتلاء وقدر من الألم ، ومن ثم فإن الألم هو الذي يستطيع أن ينسى الإنسان هذا الجسد ، ويجعله يتنحى ليفسح للباطن ، والفكر بأن يخرج ما عنده ، وكان مولانا جلال الدين يرى أن الطريق إلى المعجزات الإنسانية إنما يتبع في البداية من معاناة الألم والمشقة ، إن هذه الأنواع من التراب قد أبدت من جراء حبنا وتكريمنا وتسخيرنا كل شئ لها كثيرا من أنواع الفضل والعلم ، وما هذه الفضائل والعلوم إلا من قبل الإقرار بالفضل الإلهى والعطايا الربانية ، فالإبتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها كما قال مولانا نجم الدين كبرى ، وكما ورد في قوله تعالى : « إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » ( سورة الكهف : 7 ) .